محمد بن الطيب الباقلاني
21
إعجاز القرآن
أن كان مشيعا ، وتحكيم الغير في ماله ، وتسليطه إياه على جملة أحواله ، والدخول تحت تكاليف شاقة ، / وعبادات متعبة ، بقوله ، وقد علم أن بعض هذه الأحوال مما يدعو إلى سلب النفوس دونه . هذا ، والحمية حميتهم ، والهمم الكبيرة هممهم ، وقد بذلوا له السيف فأخطروا ( 1 ) بنفوسهم وأموالهم . فكيف يجوز أن لا يتوصلوا إلى الرد عليه وإلى تكذيبه بأهون سعيهم ومألوف أمرهم ، وما يمكن تناوله من غير أن يعرق فيه ( 2 ) جبين ، [ أو ينقطع دونه وتين ] ، أو يشتمل به خاطر ، وهو لسانهم الذي يتخاطبون به ، مع بلوغهم في الفصاحة النهاية التي ليس وراءها متطلع ، والرتبة التي ليس فوقها ( 3 ) منزع ؟ ! ومعلوم أنهم لو عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره ، وتكذيب . قوله ، وتفريق جمعه ، وتشتيت أسبابه ، وكان من صدق به يرجع على أعقابه ، ويعود في مذهب أصحابه . فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك ، مع طول المدة ، ووقوع الفسحة ، وكان أمره يتزايد حالا فحالا ، ويعلو شيئا فشيئا ، وهم على العجز عن القدح في آيته ، والطعن [ بما يؤثر ] في دلالته - علم مما ( 4 ) بينا أنهم كانوا لا يقدرون على معارضته ، ولا على توهين حجته . / وقد أخبر الله تعالى عنهم : أنهم ( قوم خصمون ) ( 5 ) وقال : ( وتنذر به قوما لدا ) ( 6 ) ، وقال : ( خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ) ( 7 ) . وعلم أيضا ما كانوا ( 8 ) يقولونه من وجوه اعتراضهم على القرآن ، مما حكى الله عز وجل عنهم في قولهم : ( لو نشاء لقلنا مثل هذا ، إن هذا إلا أساطير الأولين ) ( 9 ) وقولهم : ( ما هذا إلا سحر مفترى ، وما سمعنا
--> ( 1 ) س : " وأخطروا " ( 2 ) ا ، م : " له " ( 3 ) س : " مطلع . . . وراءها " ( 4 ) ا ، م : " بما " ( 5 ) سورة الزخرف : 58 ( 6 ) سورة مريم : 97 ( 7 ) سورة النحل : 4 ( 8 ) س : " أن ما كانوا " ( 9 ) سورة الأنفال : 31